مقالات رأي

في أوّل خطاب لرئيس الحكومة هشام المشيشي في مواجهة أزمة كورونا: كلمة إداريّة لكبير الإداريّين..!!!

في أوّل خطاب موجّه للشعب التونسي في مواجهة أزمة كورونا.. أعلن رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي عن بعض الإجراءات التي تبقى محتشمة ولا ترقى إلى مستوى درجة الخطر الذي يمثلّه الوضع الوبائي لفيروس كورونا اليوم في تونس.. وآفاق تطوّره على حسب الأرقام الحاليّة المتصاعدة بسرعة كبيرة..!!

رئيس الحكومة المشيشي بدأ خطابه بعبارة “نطمّن الجميع” مؤكّدا بأنّ تونس جاهزة لصدّ الموجة الجديدة من انتشار فيروس كورونا.. لكنّه سرعان ما تدارك بأنّ “الأرقام ما تطمّنش”..!!!
وقد أعلن أساسا أربعة قرارات هي:

1 ـ إلزاميّة حمل الكمّامات في الفضاءات العامّة.
2 ـ منع جميع التجمّعات والتظاهرات والاحتفالات العامّة والخاصّة.
3 ـ التطبيق الصارم للبروتوكولات الصحيّة في كلّ المؤسّسات بما فيها التعليميّة والمقاهي والمطاعم وغيرها..
4 ـ إعتماد نظام الحصّة الواحدة في القطاع العام مع تقليص عدد الساعات وتقسيم فرق عمل.
أمّا القرار الآخر الخاصّ.. فكان الإعلان عن إمكانيّة تطبيق حجر صحّي عام محدود بالمناطق التي قد تشهد نسب عدوى عالية..
على أن يكون ذلك لمدّة أسبوعين..

عموما فإنّ الإجراءات التي أعلنها رئيس الحكومة هشام المشيشي تكاد تفتقر إلى أيّ جديد مقارنة بما وقع الإعلان عنه في المدّة الأخيرة من إجراءات هنا وهناك.. في ما عدا القرار الرسمي باعتماد نظام الحصّة الواحدة..

لكنّ رئيس الحكومة حاول الدّفع بأرقام تخصّ استعدادات الحكومة في ما يتعلّق بالبنية التحتيّة الصحيّة والتجهيزات الاستشفائيّة.. وتحدّث عن تطويرها والزيادة في طاقة الإستيعاب بين نهاية شهر أكتوبر الحالي ونهاية شهر نوفمير القادم.. سواء في ما يتعلّق بأسرّة الإنعاش أو الأوكسجين أو العناية المركّزة أو تلك الخاصّة بمصابي “كوفيد ـ 19” أو مراكز الإيواء للمرضى أو مخابر التحاليل العامّة والخاصّة وغيرها..

وبعض تلك التطويرات هي من صنع الحكومة السابقة..
لكنّ ما أعلنه المشيشي يبقى برغم كلّ شيء بعيدا جدّا عن القدرة على مواجهة موجة طاغية قد تصيب آلاف المواطنين التونسيّين يوميّا لا قدّر اللّه بفيروس كورونا.. وتجعل المئات منهم في حاجة إلى الدخول للمستشفيات كلّ يوم.. وإلى العناية الطبيّة العالية والفائقة..

كما لم يتطرّق رئيس الحكومة إلى حلول وإجراءات عاجلة وناجعة لتدارك النّقص الرهيب في الموارد البشريّة الطبيّة وشبه الطبيّة.. وإمكانيّة الإنتداب أو التعاقد الفوري والسريع لسدّ الشغور الهائل..
ولا شكّ أنّ إصابة العشرات من القطاع الطبّي دوريّا.. كما بدأ يحصل على نطاق واسع اليوم.. ودخولهم فترة الحجر الصحّي وجوبا.. قد ترفع من نسبة النقص والشغور تباعا..

ولم يتطرّق المشيشي إلى المساعي للاتّفاق مع المصحّات الخاصّة لضمّ فضاءاتها وطواقمها الصحيّة والطبيّة إلى المجهود الوطني لمجابهة حالة وبائيّة واسعة تبقى محتملة في حالة عجز مستشفيات القطاع العام عن الاستيعاب.. أو إمكانيّة تسخيرها على ذمّة الدولة عند الضرورة إن فشل الاتّفاق الرضائي..

كما تبقى الكثير من نقاط الظلّ الأخرى في مجهود مقاومة انتشار الكورونا.. وفي الإجراءات الممكنة التي لم يهتمّ بها رئيس الحكومة.. مثل التقليص من ساعات النشاط العام.. وتمديد الآجال الإداريّة والقانونيّة لضمان عدم الإزدحام.. وفرض عمليّات حجر صحّي شامل مؤقّت لفترات محدودة وقصيرة مثل عطل نهاية الأسبوع.. وهي الطريقة التي اعتمدتها دول مثل لبنان والأردن وتركيا وكان لها دور فاعل في التخفيف من نسب العدوى وتخفيض تصاعد الخطّ البياني للإصابات..

في المقابل أعاد هشام المشيشي التأكيد مرّة أخرى بلهجة بدت قاطعة بأنّه لا مجال للعودة إلى الحجر الصحّي العام والشامل.. مقّدّما سببين إثنين..
أوّلا بأن أكّد حسب رأيه بأنّه لم يثبت جدوى ذلك علميّا في مقاومة إنتشار فيروس كورونا..
وثانيا لعدم قدرة تونس على تحمّل فترة حجر شاملة مرّة ثانية اقتصاديّا وماليّا..

وإن كان السبب الثاني معقولا ومفهوما.. وهو عدم قدرة تونس على تحمّل فترة حجر صحّي شامل ثانية لعدّة أسابيع او أشهر بعد فترة الحجر الأولى المنهكة.. وفي ظلّ أزمة اقتصاديّة وماليّة خانقة..

فإنّ الرأي العلمي الذي تحدّث عنه المشيشي في الموضوع.. يبدو مشكوكا فيه.. وقد كان محلّ نقاش بين الأخصائيّين والسياسيّن في مختلف دول العالم طوال أشهر منذ ظهر الفيروس في ديسمبر 2019..
واعتمدته الصّين نفسها بطريقة صارمة لوقف الحالة الوبائيّة.. وعارضته أغلب الدول الأوروبيّة وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكيّة في البداية.. قبل أن تخضع له جميعها مكرهة في الأخير كحلّ وحيد ناجع لصدّ سريان العدوى.. ووقف تصاعد الخطّ البياني للإصابات اليوميّة.. وتخفيف نسق سقوط مئات الضحايا كلّ يوم..
وحتّى أستراليا مثلا عاودت انتهاجه في كبرى مدنها مؤخّرا مع ظهور موجة ثانية..
وصرّح رئيس الحكومة الفرنسيّة منذ أيّام بإمكانيّة اعتماده من جديد إن تعكّرت الحالة الوبائيّة أكثر مع بداية الموجة الثانية..

وهو الرأي الغالب والوارد في أنجلترا أيضا اليوم..
لذا فإنّ زعم المشيشي بأنّه علميّا لم تثبت فائدة الحجر الصحّي العام.. هو قول مردود عليه.. وإن كانت كلفته الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة باهظة جدّا ومنهكة للأفراد والمؤسّسات وللدولة..
غير أنّه من الطبيعي أنّه لا يجب اللّجوء مرّة أخرى إلى الحجر الشامل إلاّ في حالة الضرورة القصوى.. حين لا يكون هناك خيار آخر.. وحين تكون كلفة فوضى الوباء القاتل أعلى من كلفة الحجر الصحّي.. بحيث أنّ عدم تطبيق الحجر سيؤدّي بدوره إلى خسائر بشريّة واقتصاديّة أكبر من تطبيقه..

ونتمنّى أن لا نصل إلى ذلك الحدّ..

الملاحظ أنّ رئيس الحكومة هشام المشيشي ظهر في الوقت المحدّد لخطابة على الساعة التاسعة ونصف بالتدقيق.. خلافا لكلمات سابقة لسلفه رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ الذي عُرف بتأخّره في بثّ جميع كلماته تقريبا بمناسبة أزمة كورونا سابقا.. وهو نفس الحال بالنسبة لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد أيضا..!!
الكلمة كانت مختصرة.. واقتصرت على الغاية منها فقط.. وقد دامت 8 دقائق.. وتكلّم رئيس الحكومة هشام المشيشي فيها بلهجة جديّة وجافّة دون أيّ ابتسامة تقريبا..!!
كأنّه كان فقط واجبا إداريّا لـ”كبير الإداريّين”.. وقد أدّاه رئيس الحكومة.. بعيدا عن أيّ طابع أو أسلوب سياسي يناسب قائدا للدولة..!!!

بواسطة
عبد اللّطيف درباله
زر الذهاب إلى الأعلى