مقالات رأي

هل يبتلع هشام المشيشي إهانة قيس سعيّد.. أم يتّجه إلى محاربته ولو بمحاصرته سياسيّا..؟؟!

ما حصل يوم أمس من طرف رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد من إهانة سياسيّة لرئيس الحكومة هشام المشيشي.. وإن أخطأ هذا الأخير فعلا.. وأصاب الرئيس في موضوع اللّوم.. قد تكون له تداعيات كبيرة وساخنة مستقبلا..!!

هشام المشيشي اختاره الرئيس سعيّد بنفسه لتكليفه برئاسة حكومة أخرج منها الأحزاب السياسيّة كلّها.. في تطبيق لنظريّته واعتقاداته بأنّ الأحزاب السياسيّة لم تعد تليق بالحياة السياسيّة في عصرنا الحالي.. وبممارسة الشعب للسلطة حسب رأيه..

اعتقد الرئيس سعيّد بأنّ رئيس الحكومة المشيشي سيكون بمثابة وزير أوّل لديه يمكنه أن يحكم من خلاله.. لولا أنّ المشيشي تمرّد نسبيّا ومبكّرا على الرئيس.. متهرّبا من جهة من الخضوع الكامل له.. وساعيا من جهة أخرى إلى النأي بنفسه عن نفس مصير إلياس الفخفاخ قبله.. أي العزل من المنصب الرفيع.. بسبب معاداة وضغط النهضة أساسا وبقيّة الأحزاب المعارضة للفخفاخ بالبرلمان..!!

مع إصرار الرئيس قيس سعيّد على فرض رأيه في السياسة الداخليّة بما يخالف دستور البلاد..
ومع سعي الرئيس سعيّد لمحاولة تنفيذ سياسته رغما عن رئاسة المشيشي للحكومة..
ومع سبق اختيار قيس سعيّد شخصيّا لأغلب وزراء الحكومة.. بما يجعل له نصيبا فيها.. وصاحب سلطة أدبيّة على أعضائها..
فقد دأب الرئيس منذ نيل حكومة المشيشي للثقة في مجلس النواب على استقبال وزراء الحكومة تباعا وتكرارا.. وإعطاء تعليمات وأوامر لهم.. ووضع برامج وترتيبات عمل معهم.. بما يخرج تماما عن سلطاته الدستوريّة.. ويدخل رأسا في سلطات وصلاحيّات رئيس الحكومة..!!

ومع إقدام رئيس الجمهوريّة يوم أمس الأربعاء 23 سبتمبر 2020 على توبيخ رئيس الحكومة بطريقة علنيّة ومهينة أمام كاميرا التلفزيون.. وبلهجة حادّة وشرسة.. وبتهديد بالصوت العالي.. فإنّ ذلك قد يعجّل بدفع رئيس الحكومة هشام المشيشي في الأخير إلى الاضطرار إلى الإسراع بردّ الفعل في مواجهة الرئيس قيس سعيّد بأن يحاول وقف تدخّله في ممارسة عمله ومهامه.. وأن يدافع عن سلطاته في مواجهته.. وأن ينقذ ماء الوجه بإظهار أنّه ليس عليه أن يستمع إلى تعليمات وأوامر وتوبيخ وتأنيب رئيس الجمهوريّة لكونه ليس مضطرّا لذلك أصلا دستوريّا..!!

بل أنّ صلاحيّات وسلطات رئيس الحكومة طبق الدستور التونسي لسنة 2014 تفوق وتتفوّق على صلاحيّات وسلطات رئيس الجمهوريّة نفسه.. وهو وحده الذي يملك سيطرة كاملة في إدارة السياسة الداخليّة..
ولا يملك رئيس الجمهوريّة دستوريّا أيّ حقّ محاسبة أو لوم أو مساءلة.. أو سلطة أو علويّة على رئيس الحكومة..

وإنّ السلطة الوحيدة التي خوّل لها الدستور فعلا مساءلة رئيس الحكومة.. ولومه وتوبيخه عند اللّزوم.. وحتّى عزله.. هي مجلس نواب الشعب..

رئيس الحكومة هشام المشيشي.. وبعد أن خرج من جبّة رئيس الجمهوريّة وارتمى في وعاء البرلمان.. لكونه أدرك على ما يبدو بأنّ الأغلبيّة البرلمانيّة هي الوحيدة التي تقدر على ضمان إبقائه في السلطة بقصر الحكومة بالقصبة.. وعدم إسقاطه كما فعلت مع سلفه إلياس الفخفاخ.. يسعى جاهدا الآن إلى التوافق مع أكبر أغلبيّة ممكنة بالمجلس لضمان تنفيذ سياسته والتوافق على تأمين منصبه..

والمشيشي كان يسعى في نفس الوقت أيضا إلى ربح الوقت في دعم تلك الجهود أوّلا.. وإلى تأجيل تصاعد خلافه مع رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد إلى حين إمتلاكه بناصية المنصب والسلطة.. وتثبيت أقدامه في القصبة.. وترسيخ مكانته بطريقة أفضل وأكثر عمقا.. لذلك فإنّه يغضّ الطرف ما أمكن له ذلك عن ممارسات الرئيس سعيّد في حقّه.. ويحاول تجاهل تعمدّه التدخّل في صلاحيّاته واستقطاب وزراء من الحكومة لتنفيذ رؤية الرئيس..

إلاّ أنّ المشيشي قد يضطرّ في الأخير.. وأمام إصرار قيس سعيّد على الإسراع بخوض الصّراع الآن وحالاّ لفرض سيطرته على الحكومة.. ولفرض أمر واقع يسلّم بدور له في السياسة الداخليّة للدولة.. ولو خارج الدستور.. لكن بتبرير أنّه منتخب مباشرة من الشعب.. وأنّه مؤتمن على مصالحه وأحلامه.. وأنّه وصيّ على المصلحة الوطنيّة العليا.. فإنّ المشيشي قد يضطرّ إمّا إلى الرّضوخ لذلك..

وإفساح المجال لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد للمشاركة في الحكم وفي ممارسة السلطة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في ما يدخل في اختصاص رئيس الحكومة.. وصولا إلى حدّ توبيخ رئيس الحكومة على الملأ علنا وبطريقة فجّة ومتعجرفة.. ودعوته له جهرا لتنفيذ قراراته أو تهديده باتّخاذ إجراءات لم يوضّحها..

أو قد يضطرّ المشيشي إلى الإعتراض على ذلك.. والدخول عندئذ في مواجهة علنيّة وواضحة ومفتوحة ضدّ رئيس الجمهوريّة.. قد تتحوّل إلى صراع سياسيّ شرس وحادّ وخطير..!!!

أمام محدوديّة سلطاته داخليّا وفقد الدستور.. يملك رئيس الجمهوريّة أسلحة سياسيّة أكثر منها دستوريّة.. منها أساسا أنّه منتخب مباشرة من الشعب.. وبنسب محترمة.. ويتمتّع بحكم المنصب وقصر الرئاسة بقرطاج وكونه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة والمدير للعلاقات الخارجيّة مع الدول الأجنبيّة.. بسلطة أدبيّة ومعنويّة كبيرة..

أمّا رئيس الحكومة فهو يملك في الواقع أسلحة دستوريّة وسياسيّة عديدة وفاعلة.. منها أساسا سلطات كاملة في إدارة الدولة والسياسة الداخليّة بالبلاد.. وسلطة مطلقة في إدارة الحكومة وأعضائها.. بما في ذلك إمكانيّة منع وزرائه من التعامل مباشرة مع رئيس الجمهوريّة.. (!!!)

حتّى السياسة الخارجيّة والدّفاع والأمن القومي التي اختصّ بها رئيس الجمهوريّة حسب الدستور.. فإنّ وزرائها عمليّا هم أعضاء في الحكومة.. وهم يخضعون بالتالي إلى السلطة الكاملة لرئيسها..
وحتّى تعيين أو عزل وزيري الخارجيّة والدّفاع فإنّ الدستور اشترط فقط مجرّد استشارة رئيس الحكومة لرئيس الجمهوريّة في ذلك.. ولم يفرض عليه بتاتا التقيّد برأي الرئيس أو النزول عند رغباته..!!

لذا وعمليّا فإنّ تنفيذ رئيس الجمهوريّة لسياسته وقراراته في مجال الدفاع والخارجيّة والأمن القومي تحتاج إلى الجهاز السياسي والإداري لوزارات الدفاع والخارجية والداخليّة أحيانا.. والتي هي جزء لا يتجزّأ من الحكومة.. بما يجعل تنفيذ سياسة الرئيس يتأثّر بالتأكيد بموقف رئيس الحكومة منه.. ومدى تعاونه هو وحكومته معه وتجاوبه مع سياسته أو معارضته لها.. الشيء الذي قد يضعف في الأخير رئيس الدولة.. ويجعله عاجزا.. ويؤثّر على صلاحيّاته دون أن يمسّ رئيس الحكومة مع ذلك كثيرا بأحكام الدستور..!!

فإذا حظي رئيس الحكومة بدعم أغلبيّة برلمانيّة كبيرة.. أصبح في موقع قوّة متميّز في مواجهة سلطة رئيس الجمهوريّة..

في تونس هناك سوابق في المجال..
فعندما تمرّد رئيس الحكومة يوسف الشاهد على رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السبسي وانقلب عليه.. حاصره سياسيّا بأن منع زيارة أغلب وزراء الحكومة له.. أو منعهم من تنفيذ طلباته وتعليماته حتّى وإن اجتمعوا به.. ممّا جعل الرئيس السبسي يقضي بقيّة مدّته الرئاسيّة إلى تاريخ وفاته في شبه عزلة سياسيّة مفتقدا لأيّ سلطة فعليّة مؤثّرة في إدارة دواليب الدولة..

نفس الشيء تقريبا فعله رئيس الحكومة مهدي جمعة مع رئيس الجمهوريّة الأسبق محمّد المنصف المرزوقي.. فلأسباب وأجندات سياسيّة تتعلّق بالوضع العامّ في البلاد حينها.. تعمّد جمعة تجاهل الرئيس المرزوقي..وأعطى أوامره حتّى للوزراء بعدم التعاون والتجاوب معه.. ممّا أضعف من هامش المبادرة لدى الرئيس المرزقي في الفترة الأخيرة بعد خروج حكومة الترويكا من الحكم وقبل إنتخابات 2014..

اليوم.. فإنّ السؤال الذي يشغل بال رئيس الحكومة هشام المشيشي.. هو مالذي يتوجّب عليه فعله في مواجهة “تنمّر” رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. والذي يبقى في النهاية منتخبا من أغلبيّة شعبيّة.. في حين أنّ المشيشي لم تأت به لا إرادة شعبيّة.. ولا حتّى إرادة برلمانيّة تعبّر عن أغلبيّة شعبيّة في نظام برلمانيّ..
فمن سخريات التناقض السياسي أنّ المشيشي جاء أصلا باختيار وتكليف من “غريمه” الجديد الرئيس قيس سعيّد نفسه.. وفي معاداة الإرادة الشعبيّة ممثّلة بالأغلبيّة البرلمانيّة طبق ماهو منصوص عليه بالدستور..
ولعلّ هشام المشيشي يتساءل الآن إن كان يجدر به أن يبدأ في فرض “قانونه” على الرئيس سعيّد.. بأن يمنع وزرائه من زيارته أو من تنفيذ طلباته وتعليماته..؟؟
أم يجدر به أن يغيّر بعض الوزراء المحسوبين على الرئيس.. حتّى يرفع يده تماما عن الحكومة ويضعفه..؟؟

وهل أنّ رئيس الحكومة سيعمد هو نفسه باتّخاذ الإجراءات والاحتياطات الكفيلة بأن لا يعايش مرّة أخرى هو شخصيّا ذلك الموقف السياسي المهين للرئيس سعيّد وهو يوبّخه علنا أمام شاشات التلفزيون..؟؟!!

أم أنّ رئيس الحكومة هشام المشيشي سيمتنع عن ردّ الفعل تماما.. بما سيعني منطقيّا أنّه سيقبل كلّ ذلك.. ويبتلع الإهانة.. بشكل سيضعفه ويضعف سلطته السياسيّة..؟؟!!

بواسطة
عبد اللّطيف درباله
زر الذهاب إلى الأعلى