مقالاتمقالات رأي

في تصرّف متناقض وغريب: الحكومة تريد إحتكار اختبارات الكورونا..!!!

من التناقضات الغريبة.. وغير المفهومة.. بالحكومة.. أنّها تشتكي من ارتفاع كلفة الاختبارات المخبريّة للكورونا.. لتبرير التقشّف المبالغ فيه في عدد الاختبارات المنجزة.. والتي لا تعكس حقيقة انتشار عدوى المرض بتونس.. وفي نفس الوقت فإنّ نفس هذه الحكومة ترفض استعداد نسبة من المواطنين التونسيّين لتحمّل نفقات الاختبار على حسابهم ومن جيبهم الخاصّ..!!

فقد أعلنت وزارة الصحّة عن مناقصة لشراء 400 ألف اختبار لفيروس كورونا.. منها اختبارات سريعة غير معقّدة.. يمكن إجرائها تلقائيّا من طرف الأشخاص خارج المخابر.. ودون أيّ مساعدة طبيّة..
وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي قال في تصريح إعلامي منذ يومين.. بأنّه لن يتمّ على الأرجح توزيع تلك الاختبارات على الصيدليّات.. وتمكين الناس من شرائها وإجرائها على نطاق واسع.. ثمّ ترك الباب مفتوحا لما هو أفضل لاحقا..!!

ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.. قال بدوره في حواره التلفزي البارحة.. بأنّه قد لن يتمّ تمكين المواطنين من إجراء تلك الاختبارات تلقائيّا عبر توزيعها في الصيدليّات.. ثمّ تدارك بأنّه سيقع معاودة التفكير في ذلك لاحقا طبق الأنسب..!!

يبدو الأمر غريبا.. باعتبار أنّ الحكومة التونسيّة وفي سياستها الصحيّة.. انتهجت عدم إجراء اختبارات مخبريّة على نطاق واسع جدّا.. نظرا لكلفتها الماديّة الباهظة.. لذلك لم يقع إجراء إلاّ 5736 اختبارا مخبريّا فقط إلى حدّ يوم أمس الخميس 2 أفريل 2020.. أفرزت إثبات 495 حالة مؤكّدة.. وذلك طيلة أكثر من شهر منذ بداية خطر العدوى ببلادنا..
أيّ بمعدّل أقلّ من 170 اختبارا في اليوم.. وهو رقم ضئيل جدّا.. ربّما كان هو السبب في قلّة عدد الحالات المؤكّدة التي أمكن حصرها..!!

علما وأنّ المنظّمة العالميّة للصحّة.. تعتبر في توصياتها للدول.. بأنّ أوّل وأهمّ طريقة لمحاصرة العدوى.. هي إجراء أكبر عدد ممكن من الاختبارات المخبريّة..!!

فمثلا ألمانيا تقوم حاليّا بعمل نصف مليون اختبار كلّ أسبوع.. أي ما يزيد عن 71 ألف اختبار يوميّا..!!
وباعتبار أنّ عدد سكّان ألمانيا يناهز حوالي 82 مليون نسمة.. أيّ تقريبا 7.5 مرّات ضعف عدد سكّان تونس حاليّا.. فإنّه بحساب النسبة يكون عدد الإختبارت اليوميّة في ألمانيا حوالي 9500 اختبار يوميّا لـ11 مليون شخص..

مقابل ما بين 400 و600 اختبار فقط في تونس في الأيّام الأخيرة لحوالي 11 مليون شخص..!!!

لذا فإنّ منطق الاشياء يقول بأنّه مادام هناك مئات الآلاف من الاختبارات السّريعة.. رخيصة الثمن.. حتّى ولو كان ينقصها الدقّة وهناك هامش خطأ فيها.. فإنّه مادام يمكن بيعها بالصيدليّات.. وهناك عشرات آلاف وربّما مئات آلاف المواطنين على استعدادا لشراء وإجراء تلك الاختبارات على حسابهم الخاصّ بأموالهم.. فإنّه كان على الدولة أن تفرح بذلك وتشجّعه..!!
لكونه سيزيد عدد الاختبارات بين المواطنين إلى بضعة آلاف يوميّا.. بدون تكلفة ماليّة للدولة.. وبدون ضغط لوجيستي على فرق التدخّل.. وعلى المختبرات..

ويمكنه أن يعطي في نفس الوقت فرصة لمسح صحّي أوسع بكثير.. لاستطلاع حالة انتشار الفيروس بتونس.. لمحاصرته بطريقة أنجع وأسرع وأكثر دقّة..!!

فلماذا ترفض وزارة الصحّة والحكومة ذلك..؟؟!!

لذا.. على السّلطات التونسيّة أن تسمح بتوزيع الاختبارات السريعة على الصيدليّات.. وترك المواطنين الراغبين يجرونها على حسابهم الخاصّ إن شاؤوا..
بما سيساعد أوّلا في تخفيف الضّغط على الرقم (190).. من اتّصالات المواطنين القلقين والخائفين من المرض..

وسياعد ثانيا.. جهود الدّولة في مقاومة العدوى.. ويرفع عنها كلفة ماليّة معتبرة.. وضغطا لوجستيّا وبشريّا كبيرا.. مقابل تقشّف وزارة الصحّة في إجراء الاختبارات بتعلّة ضعف الإمكانيّات الماديّة..!!

حتّى لا ينطبق المثل التونسي: “لا يرحم ولا يخلّي رحمة ربّي تهبط”..!!

**(يمكن الاطّلاع على السياسة الذكيّة لكوريا الجنوبيّة في إجراء الاختبارات المخبريّة على نطاق واسع بالتشارك بين الدّولة والمواطنين.. المنشورة في تعليق رفقة المقال)

بواسطة
عبد اللّطيف درباله

إدارة التحرير

صحيفة إلكترونية جامعة متجددة على مدار الساعة
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق