الملح… «الذهب الأبيض» : ثروة وطنية تستغلها الشركات الأجنبية وتونس تتسلم الفتات

هو ملف قديم جديد فتح مرات عدة لكن المعضلة متواصلة. التغيير الوحيد الذي حصل ان الحكومة السابقة ونقصد حكومة يوسف الشاهد قامت بإعلام الشركات الاجنبية بكونها ستراجع العقود السابقة واهمية الاجراء ان الاتفاقية المبرمة والتي سنأتي على تفاصيلها تلزم الطرف المتضرر بالإعلام عن ذلك قبل عقد من الزمن .
الملح او الذهب الابيض والذي يتوفر بكميات كبيرة في بلادنا هو نوعان الملح البحري و الملح المستخرج من الملاّحات بما في ذلك ملح شطّ الجريد الذي يعتبر من النوعية عالية الجودة وبالتالي باهظة الثمن في الاسواق العالميّة.

لكن رغم عدم انكار كون بلادنا بها كميات ضخمة من الملح منها كميات يتمّ استخراجها تفوق المليون طنّا سنويا وفق الأرقام المعلنة وما خفي كان أعظم فانّ الحديث أو الخطاب الرسمي لا يولي هذا الملف ما يستحقه من اهميّة رغم الشبهات التي تحيق به خاصة في كميات الانتاج والاستخراج الحقيقيّة والجهات التي تحتكر هذا القطاع وايضا الاثمان الحقيقيّة للبيع باعتبار انّه لا يوجد سعر ثابت باعتبار انّ الثمن يحدّد بنوعية الملح ان كان عاديّا او مصنّعا او كون المادة مستخرجة من الملح وهنا تكون الأسعار باهظة للغاية.
قطاع استخراج الملح في بلادنا تتحكم فيه شركات فرنسيّة في الأغلب وفق ما يعرف باللزمة او اتفاقيّة مبرمة عقدت بين محمد لمين باي والمقيم العام الفرنسي في عام 1949 لكن الانتاج بدأ قبل ذلك بكثير حيث يعود الى سنة 1826 وهو ما يعني انّ الاستعمار الفرنسي كان ينهب الملح التونسي لمدّة تقرب من قرن من الزمن بموافقة الباي والسؤال تحت ايّ ذريعة كان يحصل ذلك وهل كان في اطار اتفاقية وصفقة سريّة عند منح الاستقلال؟

شبهات كبرى
في 1949 تمّ ابرام صفقة بين المقيم العام الفرنسي والباي لكن الحقيقي أنّ الاتفاق الأصلي حصل بين المقيم العام الفرنسي وموظفين يمثلان الباي قدما كخبيرين في القطاع والغريب انّهما فرنسيّان بالتالي فالحديث عن اتفاق بين السلطات التونسية وسلطات المستعمر نظري لانّ حقيقة ما حصل هو اتفاق فرنسي صرف.
هذا الاتفاق انتهى بمنح شركة فرنسية لزمة لاستغلال الملح التونسي والتي بقيت سارية المفعول الى عام 2003 وهو العام الذي أعيد فيه فتح هذا الملف.
لكن ما حصل غريب وهو انّ ما سطر من قوانين واجراءات جديدة لا يشمل الملاحات القديمة بمعنى آخر تبقى الشركة الفرنسية مسيطرة على الملاحات التي تستغلها منذ 1949 ان لم نقل منذ عام 1826 .
عندما فتح هذا الملف من خبراء ومحامين ردت الشركة المستغلة للملح التونسي بكون الحديث عن معاملات بأربعة مليار دولار هو رقم مبالغ فيه جدّا وقالت انّ الرقم الصحيح هو 30 مليون دينار سنويّا وهو رقم أيضا غير دقيق ومنطقي فالشركة تتحدث عن انتاج سنوي ب900 ألف طنّ سنويا منها 750 ألف طنّ مخصصة للتصدير أي أكثر من ثلثي الانتاج مخصصة للأسواق الخارجيّة مع العلم انّ السعر العالمي للملح العادي الممتاز يصل الى 75 دولارا للطنّ الواحد لكن خلف هذا الرقم هناك أرقام أخرى تخصّ انواع الملح عالية الجودة او المخصصة لإذابة الجليد وكلما زادت جودة الملح زاد معه السعر العالمي .
اضافة الى هذا فهناك مواد يتمّ استخراجها من الملح مثل البوتسيوم والصوديوم والمنغازيوم وغيرها وهناك مواد يصل سعرها عالميا الى 3 آلاف دولار للطنّ بمعنى آخر فانّ تحديد مداخيل الملح بدقة تبقى أمرا صعبا في عدم وجود رقابة صارمة.

الملح التجاري
يعدّ شطّ الجريد من المناطق الواعدة التي يمكن استغلالها بيئيا وسياحيّا وأيضا اقتصاديّا خاصة من ناحية استخراج الملح من النوعية ذات الجودة الكبيرة لكن الى حدّ الآن هناك غموض في استغلاله بل سريّة في منح عقود الاستخراج منه كما اماكن اخرى تتواجد بها ملاّحات ليبقى السؤال المهم : اين تذهب موارد الملح اوالذهب الأبيض الحقيقيّة وكم تنتج بلادنا فعلا وبدقة من هذه المادة ومن يستفيد منها وهل هناك مراقبة صارمة من الدولة حول الكميات المستخرجة و سلامة الصفقات واللّزمات من الناحية القانونيّة وهل من المقبول الآن الخضوع لشروط لزمة وضعت بنودها عام 1949 ام جاء الوقت لمراجعتها ؟
ضمن كل هذا نفهم لماذا تحرك محامون في فترة ما لفتح هذت الملف لان ما يحصل هو نهب فرنسي لثرواتنا من دون وجود سلطة سياسية قادرة على تحمل مسؤوليتها مواجهة الناهبين الأجانب.
وفق الاتفاقية فان انهاءها يتطلب الإعلام بذلك قبل 10 سنوات وهو ما فعلته حكومة الشاهد لكن علينا الانتظار الى 2029 ما يعني عقد آخر من النهب وهو ما لم يعد مقبولا.

ويني فلوس الملح؟
بعد الاحتجاجات على استغلال النفط التونسي تدخل المسؤولون وقالوا ان الامر مبالغ فيه ولا وجود لثروات نفطية في بلادنا.
يمكن تقبل هذا ما لم تكن هناك ادلة لكن هل يمكن القول انه لا وجود لملح ايضا وانه قطاع غير مربح؟
هنا يمكن الانتقال من ” وينو البترول الى ويني فلوس الملح”.

زر الذهاب إلى الأعلى